سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
212
الإكسير في علم التفسير
ومنه : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ « 1 » أي : إذا أردت القراءة ، فالقراءة مسبب عن الإرادة . وقول من حمله على ظاهره من تعقيب القراءة بالاستعاذة ضعيف « 2 » ؛ إذ المعقول من أمره بالاستعاذة من الشيطان ؛ الاعتصام من كيده ، وأن يعرض له في قراءته فيخلطها عليه ، كما يغلب عليه في صلاته ليقطعها ، وكما خلط عليه في سورة النجم ، حتى قرأ فيها : « تلك الغرانيق العلى ، إنّ شفاعتهم لترتجى » فإذا أخّرها إلى أن يفضي إلى القراءة فأتت تلك الفائدة « 3 » . ومنه قوله تعالى : فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها « 4 » أي : لا تكن تابعا ضعيفا في دينك ، بحيث يؤثر فيك من يصدّك عنها ، فاللين في الدين سبب تأثير قول الصاد الذي هو سبب الانصداد . وهذه أعجب صور هذا الضرب ؛ لأنها تضمنت الاكتفاء بالمسبب عن ذكر السبب البعيد بمرتبتين ، فتأمله ، واللّه أعلم . الضرب الثاني : الإضمار وهو في اللغة : الإخفاء والستر ، تشبيها بالسر في الضمير . قال الأعشى حكاية عن ابنته « 5 » : أيا أبتا لا ترم عندنا * فإنّا بخير إذا لم ترم نراك إذا أضمرتك البلا * د نجفي وتقطع منا الرحم
--> ( 1 ) سورة النحل آية 98 . ( 2 ) أي إذا تعوّذت فاقرأ . ( 3 ) لأن كل مستعيذ باللّه لا تجب عليه القراءة ، فإذا فاتت الاستعاذة دون قراءة فاتت الفائدة . ( 4 ) سورة طه آية 16 . ( 5 ) من قصيدة يمدح بها قيس بن معد يكرب مطلعها : أتهجر غانية أم تلم * أم الحبل واه بها منجذم ديوانه ص 4 .